مرت بنا السنون ,, بالنسبة لنا ,, كدقائق من حب ,, من سعادة .. تعاهدنا فيها على الوفاء منذ الرمق الأول لعشقنا وإمتزاج قلبينا, وأن نظل مخلصين لهذا الرباط , اليوم سينظم قلب غريب بين ثنايـا الشجن, وسيرحل قلبـ من أحببتُ إلى ضريح بعيـد.. غريب!
طالعت شقيق الروح من خلف الزجاجِ تحيط به الأجهزة , وكأنه فريسة قد أنشبت فيها الضواري من كل جانب تغرزُ أنيابها وأظافرها فيه , الدم يقطر في تلك الانابيب الشفافة , أشيح بوجهي وأغمض عيني محاولة شَطب هذه الصورة , فياالله كم هي مؤلمة !
لا تهدأ الضواري عن تعذيبي كذلك , فتطلق أصوات وتشع منها أضواء تارة حمراء وتارة خضراء , أشعر بها تهرول نحو أذني , تحتل تفكيري وتشعل في جسدي النيران وأن أنفاسي تلتهب.
إبتلاء ! إنه حزن يحتلني , لم يعد بمقدوري الصمود أكثر .
لكن إلى متى ستظل الأوجاع تنهش في جسده , تحرمـه طعم الحياة والراحة ؟ وماذنب هذا الطفل الصغير ليكبـر محروما من حضن والده؟
لطمت خدي لأستفيق من الكابوس , اللحظة ... غيث يرقد على السرير قبيل نقله إلى غرفة العمليات , قبيل نقله إلى عالم آخر مابين السماء والأرض , جسده بكتلته السمراء يبقى كما عهدتـه , ستظهر فيه أثر الغرز والجرح كأنهـا تذكار لهذا المُصاب , قلت لوالدتي حين إقتربت منيَ محاولة مواساتي : سأراه بذات الهيئة , ذات الملامح , والأنفاس ذاتها التي خالطتني بجنون, والصوت الذي سُقيت منه الحب .
أختنقت الحُروف : لكن أمي ! قلبه ليس لي .
تشبث بيّ , ثم رفعت بحنو رأسي المنكسر لتهمس: إنها عملية جراحية.غيث يُحبكِ بُنيتي.
تسقط الدمعة مذبوحة بأوجاعي و فتاتُ الصور المخبئة تحت كِسرة نحيب:
: كان يحبني , كان ...... منذ سنين ... حين كان جاري ورفيقي.. أتذكرين أمي !
- تذكرين كان ينتظرني حين ينتهي من مدرسته ليرافقني في طريق العودة للمنزل؟
أتذكرين في صغري كان يحملني على ظهره ... يركض بي فرحا .. أختبأُ مرات خلفـ ..
- حبيبتي .. لا تيأسي من رَوُح الله .
صرختُ وكأنني أطُلق روحي إلى حيث أريامِ بحـر لأذوب في وله :
- سينتزعون قلبي من جوف صدري .. لتتراكمَ الأحَزانُ فَوقَ أَكتافي! فكيف بيّ أن أعَيش من بعده إن رحل ؟ قد ضاق بي الحَالُ ؟ ضاعت علي الأيام ؟ حلال أم حرام ؟
إكتملَ الإنشطارُ .. إبتلعَ السُكونَ ليوقظ الأشياء المبعثرة في الأحَداق . صوتُ خطوات الطبيب تقترب شيئا فشيئا , الطاقم الطبي خلفه , يطمأنني بأن العملية ستكون ناجحة , قائلا: لقد أعددنا لها منذ شهور ودرسنا الحالة الطبية بعد سلسلة من الفحوصات, وهذه ليست العملية الأُولى التي نجريها لزراعة قلبِ من مُتبرع لإنقاذ مريض يعاني من قُصور في عضلة القلب . ثم أردف: العملية هــي آخر فرصة للنجاة.
وعدته بأن أحافظ على رباطة الجأش وأتسلح بالدعاء, وكأني أسمع صوت غيث يقول :" إن غبتُ عنكِ فأنفاسي هي الغائبة لا ذكرايّ ميرة". عقب ذلك رافقتهم وهم يدفعون السرير إلى غرفة العمليات ودعته وشوق يعتصر في الفؤاد . نعم ودعت قلبه الذي قاسمته الحياة.
جلست بعدها ذابلة على أقرب مقعدِ في الممر , وصدى الحزن يلوكُني حاملة طفلي الصغير , وأمي لا تنكف تدعو المولى وتتضرع له بأن يعيد غيث إلينا سالمين.
بيّ رجفةٌ أِمتدت ساعاتِ من عُمقِ الوريد إلى عيني عَشية إدماعِ. تتسربُ أحلام جَميلة قد رسمناها سَويا, تتعثر بنبض قلب يُمكن أن يُواري حقيقة.
يزداد النبض ................... ينقبضُ صدري ............... أنهضُ ! هاقد خرج الطاقم الطبي من غرفة العمليات , الكمامات تغطي وجوههم , يتبادلون النظرات , يزداد إقترابهم حتى يصلوا لخط مرسوم بدقة يتفرقون من بعده , أكاد ألتهمُ السرير وأنا أسقط عليه, أتفحصُ غيثا و أُقَبل جبينه حتى وصولنا للغرفة.
تسمرت كنخلةِ بقرب سريره لم تغفوُ عيناي , أردتُ أن أَكون أول من يراه حين يفتح عيناه . ثم تعمقتُ في الأفق المتأرجح بيني وبينه أذكرُ ذاكَ الخوف وعتمته حين صاحت به والدته ليتزوج بغيري أملا في إنجابِ أبناء يحملون إسمه , يرى فيهم مستقبله فما حاجته لإمرأة يطعمهـاويأويها , ولما نشبَ الخلاف بيني وبين والدته المطالبة بزواجه , تركهـا وبقــيَ إلى جانبي يشد على يدي, سألته يومهـا : هـل ستظل معي , هـل ستصبر ولا تقطع الامل في شفائيّ ؟ وكان جوابه أنه لا حياة له من غيري وإن ملأت بالأطفال. أقسمت لأمي إنه لا يشبه زوج أختـي رُبــى التي هجرهـا بعد أن تذمرَ من تحمل مسؤولية بيتِ يضم زوجة وأطفال , للآن لا تعلم شيئا عنه. للآن يسأل أبنائه عن والدهم كمن يسأل عن سمكة أفلتت من السِنارة وعادت للبحر .. يزعمُ أخاه بأنه سافر للعمل حيثُ الدخل الكبير , واعداَ إياه بالعودة حال يجني ثروة يغدق على زوجته وأطفاله الثمانية.
ثورة شنتها الأسئلة والهواجس في رأسي : هل ستعرفني غيث أنا زوجتك وأم طفلكَ أحمد؟ أتذكُر حُبنا؟ قْل فقط أنكَ تحبني؟
- هل عقلكَ سيرسل المشاعر التي زرعناها بحُب ورويناها بعذوبةِ لقلبكَ الجديد؟ أم أن القلب سيفتحُ على صفحة من مَاض ؟ يحتــلُ وطنَ الروح ويغوص بعمقِ في مساربه!
وحين إستفاقَ غيثُ سرى تَيار في أواصِلي , تلعثمتُ : غيث .. نفخَ الرحمنُ الرَوح من جديد.. قدرَ لنا الحياة والأحلام.. لنُكمل المسيرَ معـاً.
طالعنيَ بعينِ ذاويه محفورة على وجه شاحبِ .. مـد يديه المثخنة بالأبرِ نحوي غَالب آلام تجترُ في جوفه .
إحتضنتُ يديه بلطفِ لأحدثهُ: قَـاوم غيث بِكل ما إستطعت , على جسدكَ أن يتقبـلَ العُضو الجديد. لم يكن مسموحا لي أن أقول له بالحرف " العضوَ الغريبَ " بل كان كالطعن في فؤادي المكلومِ. كما لم يكن مسموحا لي بأن أقترب كثيرا منه .
خرج صوتـه مبحوح بالكادِ أسمعه: الله أكبــر, ثم أَكمل ما إسَتطاع : أشعرُ به أنه ينبضُ في صدري .
نبضاتُ معها تَسْتنهِضُ أحاسيسُ مغلوبة .. للتو بدأتَ تَحبو تتخبط بين الحنايا .. أودً لو ألمس بيدي وجهكِ الجميل وأتحسسه بكل تفاصيله .. أتصدقينَ .. أتوقُ بشغفِ لأضيع في عَوالمك ! أخترقها بجنون.
كلماتهُ تتسلل نحو روحي المنهكة عنــاءَ الضياع .. فسألتُ ودمعاتي تَتساقط مِني كحباتِ عقد تمزق وبصوت مَغلوب :
أيا حُبا يحتضن ذكريات وأحلام .. أُمنيات وأشواق.. أيا حُبا أعرفكَ ولا أعرفك !
منَ أُخاطب فيكَ .. قلبك أم عقلك وأنا أنظر لعينيك ويدي بيدك؟
أخشى أن أرتمي في حُضنكَ فتصفعني نبضاتُ القلب . ترميني بعيدا في أْخَيلة السوادِ العميم.
- هذه الحياة بغير حبكِ لن أعيشهـا , ميرة ... أنتِ حُب يآسر كل القلوب .
كنت غير مصدقة ! وغير مصدقة تلكَ الإبتسامات التي أشرقت من ثغري وأنا أنصتُ لشعرهِ, وأن تكون أروعَ من الجمال الراكزِ بالورد, عطر الأمـلِ والبنفسج المُطرز في الأحلام كان بإنتظاري لأتنفسهُ . اليـوم أنا وغيثُ قد دَخلنـا بقلوبِ أتعبها الألمُ وتَحررنـا بقلوب دافقةِ بالشجنِ.
نشرت في صحيفة هماليل الثقافية / الإمارات – العدد 31 الخميس 1 أكتوبر 2009
أرسلت بواسطة بينه العامري , أكتوبر 19, 2009
أرسلت بواسطة حسن الوهيبي , أكتوبر 11, 2009
أرسلت بواسطة حازم سلام , أكتوبر 11, 2009
القلب الجديد مكان القديم ..
بهذه البساطه نستبدل قلبا بآخر
هذا أمر معقد في عالم الطب و في القصص أمر جديد
جديد و معقد ..
دمتي يا مريمنا
أرسلت بواسطة عبداللة مسعود , أكتوبر 10, 2009
قصتك تنصهر فيها تلك المعانة الاوهي النواح من الوجدة والم الاغتراب
تصويرك غاتية الجمال من حيث المعني القصصي الذي نبحث عنة مع كل القاصة المبدعين من امثالك
نعم ترسم تلك الكلامات خطوط الطول والعرض وتظاريس الارض الخصبة من ذاك الشلال الذي لا ينضب في الانسياب
وكل واحد منا ينوح علي تلك المعانة وذاك الوجع .....
دمتي بود
أرسلت بواسطة عائشة الكتبي , أكتوبر 10, 2009
أولا أشكر القائمين على المجلة الجميلة وذات المواضيع المتميزة مجلة مسارات تمنياتي لكم بمزيد من التقدم
واحب ان يصل سلامي وتقديري للصديقة الغالية بل أقول لها أستاذة بذوقها وأدبها مريم الرميثي لجمالية أسلوبها في كتابة هذه القصة التي شدتني كثيرا ,, دمتي بخير مريم
أرسلت بواسطة يسري الغول , أكتوبر 10, 2009
دومي بخير
يسري
أرسلت بواسطة تسنيم حسن , أكتوبر 10, 2009
ولا يمكن للكلمات المرور في عقلك مثل كل الكلمات
الحروف تخرج لامعة متوهجة منك
والحب له طعم اخر في عالمك
مريم كم اتمنى ان يزداد نجمك لمعان وسطوع فهذا ما يستحقه قلمك وذوقك الرفيع
سلمت يديك




