الابن والبحر

البريد الالكتروني طباعة PDF

السبب الأول لوجودي في جزيرة (( بالما )) هو أن أرتاح، وألا أفكر في شيء، أن أستمتع بالشمس وبالبحر، وأن أنظر إلى النساء. لهذا ابتعدت عن باريس التي لم أغادرها منذ أعوام، باريس الجليد، باريس الضباب، باريس الأضواء والعمل الدائب، باريس البرد والكتابة، باريس الأفكار. رافقتني زوجتي وابنتي لعدة أيام، ثم بقيت وحدي. كنت أريد البقاء وحدي، كنت أريد الشعور بمولدي.

اليوم أنهض باكرًا في الصباح الإيبيري تاركًا فندقي بعيدًا من ورائي، وأشق شوارع (( الأرينال )) الضيقة المنحدرة نحو البحر، والبحر بحيرة كبيرة صامتة، فرس أليف، ومرآة زرقاء. الشاطئ على التقريب خالٍ من الناس، شماسي القش مزروعة في كل مكان، وامرأة تخلع ثيابها أمام عيني، ورجل ينام على الرمل، وبنت ترسم مركبًا. المراكب راسية، والبحر يمتد كأنه النهاية البداية، وأنا أنظر إليه، ولا أفكر في شيء. أنظر إليه قبل أن أذهب باحثًا عن الأمواج التي جاءت بي، وأستمتع بحالة التماس بين جسدينا، لحظة عابرة يجهلها الرمل. وعلى الرمل أستلقي، وأعطي وجهي للشمس، وأعطي كل جسدي، وأحس بإبرتها المخدرة، وأحلم. من يمنعني من الحلم، ومني البحر على مقربة؟

ويناديني البحر، وهو يمتلئ بالأجساد وبالأمواج، فأخضع لتجريد المعاني، وتشعشع الألوان. أشعر بتحديه، أشعر بأنه امتلاك مستحيل، وأن في أعماقه قلبًا ينبض ليس قلبي. يتركني على سطحه أحدق في القادمين، هم دومًا قادمون إليه، وهو دومًا هارب نحو الآفاق. أحدق في القادمين، فأرى نهودًا تحدق فيّ، وأعناقًا، وشفاهًا، وعيونًا تتحدى عينيّ، وسيقانًا تنبثق من قلب الموج، وأفواهًا تصرخ، وأخرى تضحك، وأخرى لا تضحك ولا تصرخ، يكتفي أصحابها بالنظر إلى غيرهم، وهم يلعبون الكرة الطائرة. يغدو البحر فرسًا شرسة تهتز على أدنى إيقاع، وكلما ازداد شراسة ازداد عظمة وامتدادًا وصراعًا. أيها البحر خذ الريح، واتركني معك! ولكن الريح هي التي تأخذني، وتخفيني في الرمل، تاركة كل شيء من ورائي.

في مطعم الفندق، آكل (( البايلا )) على العشاء، وأنظر إلى كارمن التي تسألني:

- هل أعجبتك البايلا؟

- أعجبتني.

تبتسم لي كارمن السمراء، ثم أنهض بعد أن أتحلى: بوظة أو حلوى أو كمثرى. أعود إلى شوارع الأرينال الضيقة المنحدرة نحو البحر، وأرى أناسًا لم تزل فيه من كل لون، وهم مصرون على البقاء في الأمواج وتطويع صراخها، والريح تغدو صاخبة، والناس مصرون على البقاء في الصخب وفي الأمواج. يغدو لون البحر أخضر قاتمًا، ويلفظ الأجساد، والأجساد تقفز، وتقهقه، وتصرخ. والأجساد تلتطم أحيانًا، فتغدو كتلة عظيمة متراصة، أو تنفصل أحيانًا، وتتجزأ. أتابع بعينيّ انفصال الأجساد، وأقيّم الحركة والوزن. أشارك البحر في تماثلها: أجساد عارية أو نصف عارية، أجساد ضخمة أو نحيفة، أجساد نشيطة كالأسماك، أجساد مترهلة أو مشدودة، أجساد عجوزة، أجساد شابة، أجساد قصيرة، أجساد عملاقة، أجساد مثيرة، أجساد مغيرة، أجساد لا مثيرة ولا مغيرة، أجساد تخرج من الماء، أجساد كالكمثرى، كالحلوى، كالبوظة، أجساد كزجاجات الكوكاكولا، أجساد كالموز، كالأشرعة، كالبنادق، كالألغام، أجساد كالأنعام، كالخرفان، كالغزلان، وأخرى كالأفراس، أجساد كالفراشات، أجساد كالثيران، أجساد كشجر الجوز، كشجر الصفصاف، كشجر الخنشار، أجساد كالأفيال، كالأرانب، كالفئران، كالجراد، كالحمام، أجساد تذهب وتأتي، تنهض وتنام، ترتمي في الماء، أو هي تزلق على سطحه، أو تتسلق الأمواج، أو تنكسر على كتاب، أو تتفتح على منشفة، أو تئن، أو تكتم الأنات، أو تبتسم، أو لا تبتسم، أو تكشر، أو تنادي، أو تؤنب، أو تغتاب، أو تتأمل، أو تحسب، وربما كانت تحاسب أو تتمنى. تتكاثر الأماني قرب البحر، وتتنوع، تهطل كالأمطار: فتى أسمر، أو فتاة سمراء، أو امرأة تتقن فن الحب وبعض الأوضاع الصعبة الإجراء، أو جملة من النساء، وربما جملة من الرجال، أو بيت مريح وسيارة مريحة، أو أحد عشر شهر عمل بالانتظار، وراتب آخر الشهر، وزيادة متوقعة، وآلة قاطعة، وعلاقة قديمة، علاقة بعيدة، علاقة مستحيلة أو ممكنة، علاقات، نعم، كثير من العلاقات.

في مساء اليوم التالي، تسألني كارمن على العشاء:

- هل أعجبتك الشوربة؟

- أعجبتني.

تبتسم لي كارمن السمراء، ومع ذلك ، شوربة ساخنة لا تعجب أحدًا في مثل هذه الحرارة الخانقة. وللمرة الأولى، المطعم على غير عادته يغص بالناس، مما يحثني على تعجيل الخروج دون أن أتحلى. أتجه إلى شوراع الأرينال الضيقة المنحدرة نحو البحر، المحاطة بالفنادق والمطاعم وعلب الليل. وأسمع كثيرًا من الأغاني الألمانية، وكأن الألمان يحتلون الجزيرة. كثير من الدكاكين لا تغلق أبوابها في الليل، معظمها يبيع أشياء البحر الملونة، وبعضها يبيع فواكه الصيف، المفروشة على الأرصفة. وعلى الأرصفة، آثار الأقدام الرملية، وفي الأجواء يحتفل الناس بقدوم الليل المنفصل عن جسد البحر. على الكورنيش، العديد من المتنزهين. وفي الأمواج، اثنان أو ثلاثة يعومون عرايا، أو هكذا يخيل إلي، فضوء الموج ليس قويًّا كالموج، وصخب الموج بقوة دقات قلبي. أراقب البحر، وهو يقذف اللجين بين فخذي بالما العملاقتين، وأسمع انسحاق الزبد وصيحات الاشتياق. أرى المراكب الراسية صاعدة هابطة مع صعود الموج وهبوطه، ثم تختفي المراكب في حركة للموج متمردة. البحر هناك، هناك دومًا، هو كل شيء. وأنا، أقف وحيدًا. أنظر إليه بخوف، وأعزم على العودة إلى فندقي بسرعة ماضيًا بحانات تصدح بموسيقى (( الديسكو )). ماذا لو أدعو إليها كارمن ذات مساء؟ أتردد أمامها، وهي لا تكف عن الابتسام لي. أطلب مفتاحي، وأصعد للنوم. أما بالما، فهي لا تنام. تصلني صيحاتها، ضحكاتها، حركاتها. تودع المدينة ليلة من ليالي الصيف الذاهب مع البحر، والبحر يصلني هديره المستمر في الذهاب. نعم، الاستمرار. كل شيء يتوقف على الاستمرار، على حركة البحر التي لا تتوقف عن التقدم والتراجع الدائمين! كل شيء يتوقف على حركة الأمواج!

فجأة، أسمع كارمن، وهي تصرخ، وتشتم بالإسبانية كما لو كانت تدافع عن نفسها. يحاول رجل خنق صوتها. أستطيع فهم كلمة واحدة تتكرر عدة مرات، (( ليبرتاد )). ثم تنفجر ضوضاء تنتهي ببكاء كارمن.

في الصباح، لا تقدم كارمن لي قهوتي كالعادة، أشعر بالحزن، وأذهب إلى البحر بسرعة. أغتسل فيه دون أن أفلح في غسل حزني. ولم أرَ أبدًا كارمن.

* * *

عدت في الشتاء إلى بالما لأجد البحر، وأرى كارمن، لكني لم أرَ كارمن، ووجدت البحر يصب جام غضبه وموجه على الشاطئ المستسلم. كانت بالما مدينة ميتة، كل شيء فيها يتخثر، وكان الفندق مغلقًا، على بابه لافتة كتب عليها: يفتح في الصيف. كانت دكاكين شوارع الأرينال الضيقة المنحدرة نحو البحر مغلقة، هي أيضًا، لا أشياء الصيف الملونة على الأرصفة، ولا الفواكه الطازجة، ولا آثار الرمل. كانت علب الليل لا تغني، ولم ألتق إلا بضابط عائد من البحر... كان كل شيء يموت. في الميناء، كانت طبقات من الزيت تميد، وطبقات من النباتات الميتة، والقاذورات، وطبقات من أجنحة الطيور القتيلة. كانت المراكب راسية أو محطمة، والجبل الذي كان أخضر في الصيف، يغطيه الضباب، ويغرق في البحر بالتدريج.

 

بالما دي مايوركا/ أوت 1981

 

من "حلم حقيقي" المجموعة الرابعة لأفنان القاسم بمناسبة نشره لأعماله الكاملة

ramus105@yahoo.fr



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)add
أضف تعليق
smaller | bigger

busy
 
مقالات اخرى تستحق القراءة

نقوش

الكثرة الساحقة من المثقفين و الكتاب في بلاد العرب، يحايدون قصدا أو خوفا أو تنعما بالسلطة عن الموضوع و المشكلة، من أجل ذلك هم ميسورين و سعداء و ليسوا في السجن أو المنفي أو الجوع. حفنة الملعونين و المنبوذين الذين توحشوا علي أطراف الغابة، يعرفون و يذكرون جيدا مغزي عبارة الأعرابي الذي خاطب الخليفة : لورأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا. "حيدر حيدر"
  • أجندة مسارات

  • فنجان نسكافيه

حقوق المرأة في أوقات التغير الاجتماعي

مركز عمان لدراسات حقوق الانسان يشارك في مؤتمر بعنوان  "حقوق المرأة في أوقات التغير الاجتماعي"

عقده مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية

شارك مركز عمان لدراسات حقوق الانسان في المؤتمر الذي عقده مركز الدراسات الاستراتيجية بالتعاون مع مركز دراسات المرأة ، بعنوان (حقوق المرأة في أوقات التغير الاجتماعي)، وعقد بتاريخ 27/3/2011 ، و قدمت فيه الدكتورة عبير الدبابنة ،



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

القاص عمر خليفة يوقع "كأنني أنا"

يوقع الكاتب عمر خليفة مجموعته القصصية "كأنني أنا" عند الساعة التاسعة والنصف من مساء اليوم في مقهى "تيرتل جرين" الكائن في شارع الرينبو ، مقابل المجلس الثقافي البريطاني. والمجموعة الصادرة عن دار أزمنة هي الأولى للكاتب ، الذي يقيم في نيويورك حيث يحضّر للدكتوراة في الأدب العربي في جامعة كولومبيا. يقدّم الأمسية الباحث د. هيثم سرحان ، أستاذ الأدب العربي في جامعة فيلادلفيا.



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

"البيت الأدبي" يعقد لقاءه الشهري

يعقد البيت الأدبي برعاية مؤسسه القاص أحمد أبو حليوة لقاءه الشهري وذلك عند الساعة التاسعة من مساء اليوم في الزرقاء.



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

فعاليات فنية في "الثقافي الملكي"

يقيم المركز الثقافي الملكي بمناسبة شهر رمضان المبارك حفلا فنيا لفرقة العزم للفلكلور القوقازي وذلك عند الساعة العاشرة من مساء يوم اليوم ، وحفلة لفرقة الزرقاء للفنون الشعبية ـ المسحراتي والحكواتي في التوقيت نفسه غدا الجمعة.



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

حفل توزيع جائزة عبد الحميد شومان

تقيم مؤسسة عبد الحميد شومان حفل توزيع جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب الشبان (دورة العام )2009 وجائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال (دورة العام )2009 وجائزة عبد الحميد شومان لمعلمي العلوم في المدارس الأساسية والثانوية الأردنية (دورة العام 2009 ـ )2010 وذلك عند الساعة الحادية عشرة من صباح السبت الثامن عشر من أيلول الحالي في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي بجبل عمان.



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

سعيد يقطين رئيسا وسناجلة أمينا عاما لاتحاد كتاب الإنترنت العرب

عمان- أعلن اتحاد كتاب الإنترنت العرب عن انتخاب هيئة إدارية جديدة للسنتين القادمتين بالتزكية، وذلك بعد التوافق الذي تم بمحبة كبيرة بين الأعضاء الـ 17 المترشحين للهيئة الادارية الرابعة في عمر الاتحاد.



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

أحدث نشاطات دار فضاءات للنشر والتوزيع

"قمر أَم حبة أَسبيرين" للشَّاعر محمَّد حلمي الرِّيشة

صدرت مؤخرًا عن "دار فضاءات للنَّشر والتَّوزيع" في عمَّان، المجموعة الشِّعريَّة الجديدة: "قمرٌ أَم حبَّة أَسبيرين" للشَّاعر والباحث والمترجم محمَّد حلمي الرِّيشة، وقد وقعت المجموعة في (262) صفحة من القطع المتوسط.



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

منظمات المجتمع المدني تدين استخدام القوة المفرطة للسلطات السورية

منظمات المجتمع المدني تدين استخدام القوة المفرطة للسلطات السورية

وتدعو لاجراء تحقيق محايد  ولرفع الأحكام العرفية واحترام الحقوق والحريات الأساسية

تلقت منظمات المجتمع المدني العربية(44 شبكة وتحالف ومنظمة تمثل 333 منظمة  دولة عربية12 )  ببالغ القلق والاستنكار نبأ قيام  السلطات السورية (دوريات من الشرطة والأمن ) بقمع التجمعات السلمية في درعا واستخدام القوة المفرطة  مما اوقع عددا من الضحايا (من قتلى جرحى) في صفوف المتظاهرين سلميا، اضافة لقيام السلطات السورية باعتقالات تعسفية بحق بعض المواطنين السوريين الذين تجمعوا سلميا ، وذلك بتاريخ في 22\3\2011  و ما اعقبها استخدام الرصاص الحي في قمع المتظاهرين في عدد من المدن السورية راح ضحيتها عشرات القتلى و الجرحى.



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

وفاة الممثل الكوميدي الامريكي روبرت شيمل في حادث سيارة

قال مسؤولو العلاقات العامة بالشركة المسؤولة عن ادارة أعمال الممثل الكوميدي الامريكي روبرت شيمل ان شيمل توفي مساء يوم الجمعة في مستشفى بفينكس متأثرا بجروحه التي مني بها اثر حادث سيارة.

وكان شيمل (60 عاما) مع ابنته البالغة من العمر 19 عاما في سيارتها بعد أن فقدت السيطرة عليها في 26 أغسطس اب عندما جنحت لتفادي التعرض لحادث اخر على طريق سريع في فينكس. ونقلت الابنة الى المستشفى ولكن من المتوقع أن تتعافى.

وذكرت وسائل اعلام أن كان معهما في السيارة أيضا ابن شيمل البالغ من العمر 11 عاما ولم يصب.

واشتهر شيمل ببرنامجه الاذاعي (برنامج هاوراد شتيرن).

وكان أصيب بأزمة قلبية عام 1998 وفي عام 2000 أصيب بورم ليمفاوي وتعافى منه ثم ألف كتابا عن علاجه.

 



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

مي مظفر.. حياة وجوه ونبضات من حياة ماضية بسرد شيق

مجموعة "ألم يبق منهم احد" للكاتبة والشاعرة العراقية مي مظفر قد لا تشكل مجموعة قصصية بما معناه ان قصصها هي اعمال فنية من صنع الخيال اساسا وان استندت الى احداث وأشخاص وسمات مختلفة من الواقع.



شارك المقال مع اصدقائك...
التعليقات (0)
أضف تعليق
smaller | bigger


اقرأ المزيد...

كاريكاتير مسارات

حالة الطقس

اخر أخبارنا !

Facebook Twitter

خدمة RSS